أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
133
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
لأنّ المشبّه جمع ، فلو لم يقدّر هذا المضاف وهو « أصحاب » لزم أن يشبّه الجمع بالمفرد وهو الذي استوقد » انتهى . ولا أدري ما الذي حمل هذا القائل على منع تشبيه الجمع بالمفرد في صفة جامعة بينهما ، وأيضا فإنّ المشبّه والمشبّه به إنما هو القصتان ، فلم يقع التشبيه إلا بين قصتين إحداهما مضافة إلى جمع والأخرى إلى مفرد . قوله تعالى : وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ هذه جملة معطوفة على قوله « ذهب اللّه » . وأصل الترك : التخلية ، ويراد به التصيير ، فيتعدّى لاثنين على الصحيح ، كقول الشاعر : 222 - أمرتك الخير فافعل ما أمرت به * فقد تركتك ذا مال وذا نشب « 1 » فإن قلنا : هو متعدّ لاثنين كان المفعول الأول هو الضمير ، والمفعول الثاني « في ظلمات » و « لا يبصرون » حال ، وهي حال مؤكدة لأنّ من كان في ظلمة فهو لا يبصر ، وصاحب الحال : إمّا الضمير المنصوب أو المرفوع المستكنّ في الجارّ والمجرور . ولا يجوز أن يكون « في ظلمات » حالا ، و « لا يبصرون » هو المفعول الثاني لأن المفعول الثاني خبر في الأصل ، والخبر لا يؤتى به للتأكيد ، وأنت إذا جعلت « في ظلمات » حالا فهم منه عدم الإبصار ، فلم يفد قولك بعد ذلك لا « يبصرون » إلا التأكيد ، لكن التأكيد ليس من شأن الإخبار ، بل من شأن الأحوال لأنها فضلات . ويؤيّد ما ذكرت أن النّحويين لمّا أعربوا قول امرئ القيس : 223 - إذا ما بكى من خلفها انصرفت له * بشقّ وشقّ عندنا لم يحوّل « 2 » أعربوا « شق » مبتدأ و « عندنا » خبره ، و « لم يحوّل » جملة حالية مؤكّدة ، قالوا : وجاز الابتداء بالنكرة لأنه موضع تفصيل ، وأبوا أن يجعلوا « لم يحوّل » خبرا ، و « عندنا » صفة لشق مسوّغا للابتداء به ، قالوا : لأنه فهم معناه من قوله : « عندنا » لأنه إذا كان عنده علم منه أنه لم يحوّل ، وقد أعربه أبو البقاء كذلك ، وهو مرود بما ذكرت لك . ويجوز إذا جعلنا « لا يبصرون » هو المفعول الثاني أن يتعلّق « في ظلمات » به أو ب « تركهم » ، التقدير : « وتركهم لا يبصرون في ظلمات » . وإن كان « ترك » متعديا لواحد كان « في ظلمات » متعلقا بترك ، و « لا يبصرون » حال مؤكدة ويجوز أن يكون « في ظلمات » حالا من الضمير المنصوب في « تركهم » ، فيتعلّق بمحذوف و « لا يبصرون » حال أيضا : إمّا من الضمير المنصوب في « تركهم » فيكون له حالان ويجري فيه الخلاف المتقدم ، وإمّا من الضمير المرفوع المستكنّ في الجارّ والمجرور قبله فتكون حالين متداخلتين . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 18 إلى 19 ] صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ ( 18 ) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ ( 19 ) قوله تعالى : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ : الجمهور على رفعها على أنها خبر مبتدأ محذوف ، أي :
--> ( 1 ) البيت للعباس بن مرداس . انظر ديوانه ( 47 ) ، قصيدة رقم ( 2 ) ، ص 31 ، المقتضب ( 2 / 35 ) . انظر الكتاب ( 1 / 37 ) ، المحتسب ( 1 / 51 ) ، أمالي ابن الشجري ( 1 / 165 ) ، الهمع ( 2 / 82 ) ، الدرر ( 2 / 106 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 2 / 42 ، 8 / 50 ) ، الخزانة ( 1 / 339 ) ، الشذور ( 369 ) ، المغني ( 1 / 315 ) ، والشاهد فيه : حذف حرف الجر فانتصب الاسم بالفعل . وقد نسب البيت إلى خفاف بن ندبة أيضا ، وهو في ملحقات ديوانه ص 126 ، ونصه فيه : أمرتك الرشد . . . الخ ( 2 ) البيت من معلقته المشهورة . انظر ديوانه ( 12 ) برواية : انحرفت له ، شرح القصائد العشر ( 74 ) ، والشنقيطي ( 60 ) ، البحر ( 1 / 81 ) ، والشاهد ( وشق عندنا يحول ) جاز الابتداء بالنكرة هنا لأنها في موضع التفصيل .